بنحمزة يحاضر أمام أمير المؤمنين موضع "سلفية الأمة و التمثلات المغربية"

27 حزيران 2015

ترأس أمير المؤمنين الملك محمد السادس، مرفوقا بالأمير مولاي رشيد ، امس الجمعة( 26 يونيو 2015)، بالقصر الملكي بالرباط، الدرس الرابع من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية.

 

وألقى درس اليوم بين يدي الملك ، الأستاذ مصطفى بن حمزة، رئيس المجلس العلمي المحلي بوجدة، تناول فيه بالدرس والتحليل موضوع “سلفية الأمة والتمثلات المغربية” انطلاقا من قوله صلى الله عليه وسلم : “من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء”.

وقد تناول المحاضر موضوع السلفية من خلال التطرق إلى تعريف السلف والسلفية وبحث بعض المعايير والاشتراطات لاستحقاق الانتماء الى مذهب السلف، وواقع سنية المغرب وسلفيته.

ففي تحديده لمفهوم السلفية، اقتصر الاستاذ مصطفى بن حمزة على مضمون المعيار الموضوعي، مشيرا الى أن أوسع مفاهيم السلف والسلفية “هو ما يقول به أوائل العلماء من أن أهل السنة والجماعة هم كلهم سلف الامة، ويقابلهم في الشق الاخر باقي الفرق والطوائف، من خوارج وشيعة ومعتزلة ومرجئة وغيرهم”.

وأورد في هذا الصدد تعريف أبو اسحاق الشاطبي الذي يقول “الاقوال في من ينتظمهم مفهوم الفرقة الثالثة والسبعين وهي الفرقة الناجية هو أهل السنة والجماعة”.

واستخلص المحاضر أن “السلفية مذهب الامة الجامع، وأن السلف هم جماهير الامة وسوادها الاعظم، وهم يمثلون تيارا واحدا في مقابل جميع المذاهب التي نشأت عن فهم خاص لجزئية من جزئيات الدين ، ضخمتها ثم جعلتها أصلا شاملا تشكلت حوله وبسببه طائفة من الطوائف التي مزقت الوحدة العقدية للامة”.

غير أنه لاحظ أن هذه الرؤية التي أشعرت الامة بوحدتها العقدية، “تعرضت لخلل كبير وتصدع عميق ولرزء فادح كان له أثره السيىء على وحدة المسلمين واجتماع كلمتهم وصرفهم عن أن يتفرغوا لوظائفهم الحقيقية”، مبرزا أن هذا الخلل تمثل في إقامة حواجز ذهنية تمنع من انضواء جماهير الامة ضمن رحاب أهل السنة والجماعة ، وأدت الى أن يرى المسلم في كبار علماء الامة ومن دافعوا عن العقيدة أنهم ليسوا سلفيين، بسبب أن معيارا معنيا لم ينطبق عليه ، ومن ضمنهم علماء مغاربة كثيرون، يعرف مكانهم من العلم والتقوى والتمسك بالسنة.

وأشار الى أن المعايير والاشتراطات التي حددها الساعون الى الاستئثار بالانتساب الى السلف معايير متعددة ، لكن أبرزها هو عدم الاشتغال بعلم الكلام وعدم القول بالمجاز وعدم تأويل النصوص، ثم إلقاء تهمة الابتداع على اختيارات تدينية كثيرة.

وتطرق المحاضر من جهة أخرى الى النموذج المغربي في التدين، مبرزا أن قضية تميز المملكة بأنموذج خاص في التدين يتأسس على أصول علمية ليست موضع رفض العلماء وعلى أربعة مقومات يتمثل أولها في تمسك المغرب بالمذهب السني في العقيدة والفقه وثانيها في اختيار المغاربة للاشعرية مذهبا في العقيدة وثالثها في أخذ المغاربة بالمذهب المالكي، فيما يتمثل المقوم الرابع في تميز المغرب بفقه خاص استوعبه أصل ما جرى به العمل وهو قائم على ملاحظة الواقع المغربي ومواجهة إشكالاته التي قد لا توجد في غيره من البيئات وعلى تحقيق المصالح التي استدعتها حاجات طرأت للناس وعلى درء المفاسد المترتبة عن إعمال أحكام سابقة، لم تعد صالحة لمنع وقوع الفساد.
وأبرز الاستاذ بن حمزة أن من أكثر ما يواجه التدين المغربي حاليا سعي بعض الناس الى نشر دعاوى تبديع بعض الممارسات التدينية، ووصمها بأنها خروج عن السنة ، ملاحظا أنه في حالات كثيرة من هذه الدعاوى ، “لا يحدد المفهوم تحديدا علميا، وانما يكتفى بإرسال حكم الابتداع بالاستناد الى معيار واحد هو عدم وجود الفعل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم”.

وسجل المحاضر أن دعاوى الابتداع تكتنفها في حالات عديدة اختلالات منهجية وإشكالات معرفية تتمثل في عدم الاهتمام بتحديد المفهوم الاصطلاحي الشرعي للبدعة، وبالاكتفاء غالبا بالدلالة اللغوية لكلمة بدعة مع انها اعم من الدلالة الشرعية، وعدم استحضار باب معين من اصول الفقه وهو باب التروك النبوية، وهو باب مؤصل رغم عدم اهتمام البعض به.

ومن بين الاختلالات الاخرى حسب الاستاذ بن حمزة، عدم استحضار جميع النصوص الواردة في الموضوع ، والاكتفاء بالدليل الواحد من أجل استقاء الحقيقة.

وأكد المحاضر أن منهج البحث العلمي الذي يرسمه علماء المسلمين يقتضي ان يطلب العالم الحقيقة، فاذا انتهى اليها جد في طلب ما يناقضها، ثم يوازن بين الحقيقتين ويظهر خطأ المناقض.

وأورد في هذا الاطار أبرز نص مغيب في دراسة موضوع البدعة، وهو قول النبي (صلعم) في الحديث الذي أخرجه الامام مسلم في كتاب العلم “من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء”، معتبرا أن الحديث يفتح مجالا واسعا لسن طرق الخير التي ليست شريعة مزاحمة للشريعة ولا موازية لها، وإنما هي تنفيذ لمضامينها.

وقارب الاستاذ بن حمزة في درسه الاختيارات المغربية في التدين ، في مواجهة تهمة الابتداع، والتي كان من ورائها علماء عرفوا برسوخهم في المعرفة الشرعية وبحرصهم الشديد على التزام السنة النبوية، مشددا على أن “قصة ايجاد أنموذج مغربي في التدين، مما أصله العلماء ورعوه ورتبوا عليه أحكاما كثيرة هي قصة سلوك ذكي سعى الى تثبيت أحكام الدين في ثنايا المجتمع، والى إحالتها الى فعل اجتماعي ، يتأيد بسلطة المجتمع وحمايته للاعراف المجتمعية”.

وأضاف أن المتأمل والدارس لواقع التدين المغربي، يستخلص سمة من سمات هذا التدين، مقتضاها ان المغاربة كانوا يعمدون الى اسناد ودعم الفرائض الشرعية بافعال اجتماعية مؤازرة، فيؤديها الناس بكل سلاسة ويسر مثلما يؤدون كل أعمالهم الاعتيادية.

وأشار الى أن التدين المغربي السني يجب أن يكون موضوعا لدراسات علمية في انتظار ان يصبح مبحثا قائم الذات ضمن حقل من حقول المعرفة الشرعية والاجتماعية، موضحا ان النموذج المغربي أصبح يستلفت الانظار اليه حيث أوفدت بلدان اسلامية عدة أئمتها ومؤطريها للاطلاع عليه ونقل تجربته اليها، معربا عن أسفه أن يوجد من جعل من تفكيك هذا النموذج أكبر اهتماماته.

غير أن المتتبع لمسار التدين بالمغرب، يضيف السيد بن حمزة، يستخلص أن “هذا النموذج لم يكن في يوم أكثر قوة ومنعة مما هو عليه الان”، حيث عكف أمير المؤمنين منذ اعتلاء عرش اسلافه المنعمين على “تقوية هذا النموذج بإصرار شديد وبنفس طويل وبإرادة لا يعتريها الكلل ولا الملل”.

وفي ختام هذا الدرس الديني، تقدم للسلام على أمير المؤمنين الأساتذة عثمان بطيخ وزير الشؤون الدينية بتونس، وعبد الهادي القصبي رئيس المجلس الأعلى للطرق الصوفية بمصر وابو بكر دوكوري مستشار في رئاسة الجمهورية للشؤون الاسلامية، وعضو مجلس الرئاسة لاتحاد الجمعيات الاسلامية ببوركينا فاصو والإمام صالحو ندياي من علماء جمهورية افريقيا الوسطى ومحمود صدقي الهباش، قاضي قضاة فلسطين الشرعيين، وجيمو أحمد رجيما توفيتش ، رئيس الأئمة في بودجوريتسا بالجبل الأسود، ومحمد الحافظي النحوي، رئيس التجمع الثقافي الإسلامي بموريتانيا و محمد جالو، رئيس جمعية مالي للسلام والإصلاح بمالي، و مامادو طراوري إمام وخطيب مسجد ريفيرا كولف بكوت ديفوار.

 

 

 

تابعونا على الفايسبوك